الاقتصاد الريعي الفلسطيني في ظل السلطة الفلسطينية
بين تبعية الإحتلال وتبعية التمويل الأجنبي
2014
ياسر صلاح ، محامي وباحث
__________________________________
مقدمة

036150796850

منذ إنشاء السلطة الفلسطينية في عام 1993 بدأت التزامات الدول المانحة بدعم عملية السلام ودعم ما تبلور عنها من سلطة سياسية للفلسطينين (السلطة الفلسطينية)، بدا ضخ التمويل لدعم الإقتصاد الفلسطيني تعزيزاً لمشرروع السلام وإتفاقية اوسلو ، تدريجياً أخذ هذا التمويل منحى جديد يؤثر على حياة ومكونات المجتمع الفلسطيني، حيث استهدفت هذا التمويل إطر مختلفة من الاقتصاد الفلسطيني منها البنية التحتية وبناء المؤسسات العامة ومؤسسات المجتمع المدني وجزء منه رواتب وإجور للفلسطينين مما أدى الى إعتماد الاقتصاد الفلسطيني بشكل رئيسي على هذا التمويل .
144776

وصل حجم المساعدات الى مليار ولغاية مليار والنصف دولار سنوياً ، حتى انه وصل في سنوات إندلاع ما يسمى الإنتفاضة الثانية او الأقصى وعلى مدار خمس سنوات الى خمسة مليارات دولار ، كما تشير الإحصائيات الى ان التمويل الأجنبي وصل الى 737.34 مليار دولار وذلك في الفترة الواقعة من إنشاء السلطة لغاية عام 2004 حتى شكلت المساعدات من أعلى النسب عالمياً فيما يتعلق بالمساعدات الدولية .

ما يهمنا في هذه الورقة البحثية مسألة جوهرية هي كيف حول التمويل الأجنبي الاقتصاد الفلسطيني الى إقتصاد ريعي وجعله تابعا له يتأثر بتوجهاته وما يتبعه من آثار سلبية على العملية الديمقراطية ، إذ أن إعتماد المجتمع الفلسطيني على التمويل الأجنبي بشكل مباشر او غير مباشر خلق منها تابعاً لهذا التمويل واجنادته التي تخدم بالضرورة أجنداته وتعزز تبعيته للاحتلال .

حالة الاقتصاد الريعي التبعي لتمويل المانحين أدى الى قلة الإهتمام بالشأن العام ، ومع تصاعد الإهتمام بالدخل النقدي أدى الى جنوح المجتمع الفلسطيني الى حالة إستهلاكية بعيد كل البعد عن المجتمع المنتج ، وتأتي فكرة الإقتصاد الريعي في إشارة الى الدول التي تعتمد على مصدر وحيد يحوز غالبية الإقتصاد الوطني ، متل دول الخليج إذ يشكل النفط والغاز الطبيعي غالبية الدخل القومي ، أما في الحالة الفلسطينية فان التمويل الأجنبي والذي يشكل الريع بكافة انواعه جزء كبيراً من الإقتصاد الوطني الفلسطيني .

تستند اهمية هذه الورقة البحثية ، الى تبيان أن التمويل الأجنبي بالرغم من أهميته في إستمرار عمل مؤسسات السلطة الفلسطينية ، إلا أن له الأثر السلبي الكبير على مسار الديمقراطي في فلسطين ، الى حد يعتبره من المعيقات التي أثرت على مسار التحول الديمقراطي في المجتمع الفلسطيني ، بناءاً على جعل الإقتصاد الفلسطيني تابعاً للتمويل الأجنبي متاثراً بردات فعله السياسية ، بحيث ان التمويل الاجنبي حول الإقتصاد الفلسطيني الى إقتصاد ريعي وبتالي حول المجتمع الفلسطيني الى مجموعة من المستهلكين والى رعايا غير مهتمين الا بالتمويل وحصد الاموال بعيدين عن إعتمادهم على السلطة بصفتها النظام الذي يحمي مصالحهم ويلبي إحتياجاتهم وتدريجياً الى رعايا يعيشون في دولة ريعية ، أي انه تسبب في خلل في علاقة المواطنين مع سلطتهم .

بالإضافة الى تبيان الى أن التمويل الأجنبي للسلطة الفلسطينية ، جاء ترجمة للمنظومة الاستعمارية في الاراضي الفلسطينية والذي جاء كثمن يدفع للفلسطينين مقابل الاستقرار السياسي الأمني مع الإحتلال ، من خلال الخدمات الأمنية التي توفرها السلطة الفلسطينية ، اذ ان التمويل الاجنبي جاء ليعيد صياغة المنظومة الاحتلالية للفلسطينين بشكل حديث مترجم بالإتفاقيات السياسية التبعية له ، فهو المتحكم بحياة الفلسطينين الاقتصادية ومن خلال التمويل الاجنبي زاد تحكمه الاستعماري .

وفي ظل هذا التمويل الأجنبي بإعتباره نموذج للإقتصاد الريعي تراجعت الحياة الديمقراطية للفلسطينين ، والتي يلوح بها التمويل الأجنبي مدعياً دعمها ، حيث أنه بالحقيقة يدعم الديمقراطية الإجرائية فقط حيث يترك للفلسطينين الحرية في إجراء الانتخابات المحلية وفي اقصى حالات كرمه يدعم انتخابات عامة تحت سوط التمويل الاجنبي واشتراطاتها وهذا ما يفسر التهديد بقطع التمويل في كل فترة وفترة اذا كان هناك خروج عن مسار هذا التمويل واشتراطاته.

ويرى الكاتب أن مشكلة المجتمع الفلسطيني ، تكمن في شح مصادر تمويل الأخرى ، حيث انها في مقابل عدم وجود تمويل محلي او إقتصاد ذاتي ادى الى الإعتماد الكلي على التمويل الاجنبي وما يتبعه من ارتباط بإجندات المانحين ، وبناءاً على ما سبق سرده فأنه يمكن تلخيص الأشكالية لهذه الورقة والفرضيات على النحو التالي
الاشكالية الرئيسية لهذه الورقة البحثية هي أن التمويل الاجنبي منذ اتفاقية اوسلو جاء بأهداف معلنة اهمها تعزيز الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني وبناء سلطة سياسية فلسطينية تمثل نموذجا ديمقراطياً من خلال بناء وإعادة إعمار إقتصاد فلسطيني مستقل مبني على أسس ديمقراطية ، لكن هذا التمويل الاجنبي حاد عن اهدافه المعلنة الامر الذي حول النظام الاقتصادي الفلسطيني الي نظام ريعي تبعي يأتمر ويتبع التمويل الاجنبي باجندات مانحيه ، والذي بدوره أثر الى التحول الديمقراطي الفلسطيني بشكل سلبي بل بالعكس حاد عن أهداف التمويل الاجنبي المعلن محققا نظاما غير ديمقراطي في المشهد العام له .

تنطلق الدراسة من سؤال الرئيسي فحواه هو كيف ساهم التمويل الأجنبي في تعزيز الاقتصاد الريعي الفلسطيني وجعله اقتصاديا أكثر تبعياً ، فبالاضافة الى تبعيته للاحتلال أصبح تابعاً للتمويل الأجنبي ، والذي بدوره أدى لاعاقة التحول الديمقراطي ؟
ولغرض فحص السؤال الرئيسي سوف يجيب الكاتب عن الاسئلة الفرعية الآتية :
كيف عمل الاقتصاد الفلسطيني على الاستفادة من التمويل الأجنبي؟
كيف أثرت بنية التمويل الاجنبي واستدخالها داخل النظام الاقتصادي الفلسطيني ؟
كيف يمكن تشخيص التمويل الأجنبي ضمن سياسة الهيمنة الاستعمارية في علاقتها بالاراضي الفلسطينية؟ والمقصود على وجه الدقة فحص كيف خدم التمويل بوصفه أداة اخضاعية للفلسطينين القابعين تحت الاستعمار؟

تفترض الدراسة أن التمويل الأجنبي وعلى عكس أهدافه المعلنة لم يعزز اقتصاداً فلسطينياً معتمداً على ذاته، بل خلق حالة اقتصادية ريعية تعتمد على الدعم الأجنبي وتابعاً له ، وبذلك لم يشعر المواطنيين الفلسطينيي أنهم جزء من بناء الاقتصاد الوطني بل هم في علاقة زبائنيه معه، وهذا كسر العلاقة الصحية القائمة على الحقوق والواجبات والتي تعمل كناظم لعلاقة المواطنيين في الدولة داخل النظام الديمقراطي.

وسوف يعتمد الكاتب في هذه الورقة البحثية بشكل أساسي في منهجية بحثها على منهجية تحليل الخطاب النقدي لمجموعة السياسات التي إتخذتها السلطة الفلسطينية بالإضافة الى خطاب المانحين للتمويل الأجنبي في محاولة لإثبات الفرضيات التي يسوقها الكاتب ، بالإضافة الى بعض الدراسات والتقارير التي جاءت في سياق موضوع البحث ، كما تستند الدرسة الى المنهج التاريخي لغرض تقديم مدخل وتهيئة لمسار موضوع البحث لخدمة اغراضه .
سوف يجري تقسيم هذه الورقة في شكلها النهائي الى ثلاثة فصول على النحو التالي بالاضافة الى المقدمة والمراجع .

الفصل الأول: الاقتصاد الريعي والتحول الديمقراطي وبنية الاقتصاد الفلسطيني منذ نشاة السلطة الفلسطينية
المبحث الاول : إطار نظري مدخل للاقتصاد الريعي والتحول الديمقراطي
المبحث الثاني : بنية الاقتصاد الفلسطيني منذ نشاة السلطة الفلسطينية

الفصل الثاني: التمويل الاجنبي آليات التدخل والإستدخال كنموذج ريعي وتبعيته للتمويل
المبحث الاول :التمويل الاجنبي في فلسطين آليات التدخل والاستدخال
المبحث الثاني : التمويل الاجنبي كنموذج ريعي معيق للتحول الديمقراطي في فلسطين

الفصل الثالث : نحو اقتصاد وطني ديمقراطي واستنتاجات
المبحث الاول : نحو اقتصاد وطني ديمقراطي.
المبحث الثاني : استنتاجات .

الفصل الأول:
الاقتصاد الريعي والتحول الديمقراطي وبنية الاقتصاد الفلسطيني منذ نشاة السلطة الفلسطينية

بالحديث عن الديمقراطيات يجب ان نصل في نهاية المطاف الى الاقتصاد ، بإعتباره احد مكونات الانظمة الديمقراطية ، اذن ما هو النظام الاقتصادي المتوافق مع الديمقراطية و الذي يتماشي مع بناء المجتمعات الديمقراطية والذي يأتي ويتصف بما يلي ، يتميز بحرية العمل الاقتصادي وتنظيم الانشطة الاقتصادية بما يراعي الانظمة القانونية المعمول بها في المجتمع ، ذلك النظام القانوني الذي يوفر الحماية لحرية العمل الاقتصادي ويفتح الفرصة لحرية تكوين الجمعيات والشركات والتعاونيات وغيرها من نماذج حرية النشاط الاقتصادي وضمانه في سياق السوق الحر .
ولخدمة اغراض البحث فاننا سوف نعالج في هذا الفصل محورين هامين اولهما اطار نظري كمدخل للاقتصاد الريعي والتحول الديمقراطي وفي المحور الثاني سنبحث في بنية الاقتصاد الفلسطيني في ظل السلطة الفلسطينية على النحو التالي
المبحث الاول : إطار نظري مدخل للاقتصاد الريعي والتحول الديمقراطي
المبحث الثاني : بنية الاقتصاد الفلسطيني منذ نشاة السلطة الفلسطينية

المبحث الاول : إطار نظري مدخل للاقتصاد الريعي والتحول الديمقراطي

يجدر الاشارة في البداية ان أن مفهوم الريع يقصد به هو ذلك القدر من الدخل الناتج عن استغلال البيئة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية دون ان يكون ذلك منتجاً لنشاط اقتصادي او ممارسة سوقية حقيقية ، ويقصد بالدولة الريعية هي الدولة او النظام الذي تعتمد على الدخل دون ان يكون مستنداً عن طريق الانتاج والعمل الوطني ، وقد استخدم المصطلح الريعي على نطاق واسع منذ سنوات السبيعنيات لوصف الدول النفطية ، والريع بالضبط تعني هو الدخل الذي يؤمن من خلال الموارد الطبيعية متل المناجم وغيرها مما يستخرج من جوف الارض كما انه في المعنى الاوسع للريع ينطبق عل المساعدات والهبات الدولية وهوما يتعلق بقضية بحثنا .

بالاستناد الى ما سبق يمكن ان نصنف الريع الى ثلاثة اشكال الاول هو الريع الطبيعي والذي يعتمد على الموارد الطبيعية مثل الغاز الطبيعي ، والثاني الريع الاستراتيجي والذي يقوم على نتيجة للجغرافيا كموقع الدولة الجغرافي مثل موانئها البحري او الممرات المائية والتي تخولها الى التحكم وثبات دخل كبير من ورائه ، اما الشكل الثالث فهو ما يسمى بالريع لتحويلي والذي يقوم على اعتماد الدول على التمويل والمنح الخارجية وورأس مال المغتربين من مواطنيها عبر تحويلاتهم الى الدولة وغيره من من الدعم الخارجي وبشكل خاص التمويل الاجنبي .

يرى الكثير من المختصين في قضايا الديمقراطية التي تؤدي الى بناء مجتمعات ديقراطية معتمدة على اقتصاد سوق حر ، يتناقض مع النموذج الاقتصادي الريعي الذي ينسف كثير من اعمدة البناء الديمقراطي ، بإعتبار ان النظام الاقتصادي الريعي هو أداة تسلطية هدفها بشكل مباشر او غير مباشر الى هدم أي محاولة للبناء الديمقراطي.

نادرا ما نجد في الديمقراطيات الحديثة في بلدان العالم انها وصلت اليه في ظل ظروف اقتصادية سليمة ، فهي اما كان سياسيها يعملون بمنظهر شكلي من تحبب على حساب التنمية الاقتصادية او اخرى كان ما لديها من مخزون ثرواتي من موارد طبيعية ما يكفيها لجعل الاقتصاد يتناغب من ديمقراطيتها ، وفي كل الاحوال لا يمكن خلق نظان ديمقراطي دون وجود اقتصاد سوي .

وفي تعريف النظام الاقتصادي الريعي يمكن اضافة انه يعتمد في معظمه على مورد رئيسي لدعمه وبنائه ، وهو عادة في الدول التي تتسم بالاستقرار السياسي يقصد به تلك الدول التي تعتمد على تروتها الطبيعية متل البترول والغاز الطبيعي في دول الخليج ويشكل غالبية تكوين الاقتصاد القومي لتلك البلدان ، ومحور تعريفه هو أنه يعتمد اعتمادا كليا على هذه الثروة دون المس بعلاقة النظام بالمواطنين او تحميلهم التزامات متل الضرائب ، و في بحثنا هذا فأننا نشير الى هذا الاقتصاد الريعي بإعتباره اقتصاداً ريعياً معتمدا في مجمله على التمويل الاجنبي دون ان يكون هناك أي دخل أخر سوى الضرائب التي تفرضها السلطة الفلسطينية على الفلسطينين في مناطق السلطة الفلسطينية .

وفي هذا السياق فأن الكاتب الإيراني حسين مهدوي اول من كتب عن هذه القضية من خلال دراسته الذي اعده والتي اختصت بنظام الايراني في عام 1970 ، الذي عرف الدول الريعية هي تلك الدولة التي تعتمد على جزء جوهري من ايراداتها على مصادر خارجية بشكل ريعي ، كما لا يمكن ايجاد اقتصاد معتمد بشكل كامل على الريع ، ففي كل اقتصاد توجد عناصر ريعية تختلف نسبتها من اقتصاد الى اخر حسب واقعها ، كما ان المفهوم لا يعتبر الدول ريعية اذا تولد ريعها من المشاركة لغالبية مواطنيها فيه مثل السياحة نتيجة لموقعها الجغرافي.

تكمن خطورة نموذج الاقتصاد الريعي ان هذه الانظمة تتحول تدريجياً نتيجة لوفرة الدعم المالي لها الى غياب مشاركة المجتمع في بناء هذا النظام ، وبتالي تراجع تدريجي في دوره بما يؤدي لحالة من التراخي وانتشار أنماط الحياة الاستهلاكية وتراجع ثقافة الإنتاج وتوجيه الاستثمار والعائدات إلى قطاعات خدمية وليست إنتاجية .

كما ان الاقتصاد الريعي يفضي الى مركزية السلطة السياسية وايلاء الأمن والإستقرار القدر الاكبر من الاهتمام ،كما يتسبب بانتشار الممارسات القمعية واضعاف وتهميش مؤسسات المجتمع المدني مقابل تضخم الجهاز الاداري والتنفيذي للدولة ، وفي اطار العامل الاقتصادي تتوقف وتغيب المبادرة الفردية بإستثناء رجال الأعمال المرتبطين بالنخبة الحاكمة واعتماد المواطن بصورة شبه كاملة على الدولة.

وفي المشاركة السياسية والتي تعتمد عليها الانظمة الديمقراطية فأنه في ظل الأنظمة الريعية عادة ما تكون حائلاً أمام التنظيمات المستقلة عن الحكم، أو التنظيمات المعارضة من ناحية ومن ناحية أخرى الى تعزيز ودعم انصارها في جهاز الدولة وتمكينه ، ويحد من تطور المجتمع المدني المستقل بل تؤدي الى تراجعه ، وفي كثير من الاحيان يكون هذه المجتمع المدني شكلياً ، والتي يمكن ملاحظتها في الدول الريعية المصدرة للنفط حيث تسود العلاقة الزبئنية الموزعة لعائدات الدخل في اجماله على النخبة الداعمة للحكم كجزء من هذا النظام السياسي والمتوفر دائما لدعمه ودعم سياساته ، ومن كثرة توزيعها يسود الخروج عن القوانين من خلال خلقها لمراكز بعد فترة طويلة يسوده الفساد لأن هدفها التمسك أكثر وجمع الاموال .

وبسبب عدم استهداف هذه الانظمة الريعية اوافتقادها الى المشاريع التي تستهدف التنمية وتركيزها على المشاريع القصيرة الامد والمشاريع الاستعراضية لجذب اهتمام المواطنين لتغطية على مشاكل البطالة والفقر واغراق السوق بالوظائف الغير انتاجية كما هو الحال في الاراضي الفلسطينية ، لذا يتراجع تدرجياً الاهتمام بالشان العام ، كما أن هذا النظام الاقتصادي في سبيل استقرار وضعه يعتمد على استيراد البضائع لسد احتياجات بالربح السريع لنخبته وبتالي تتراجع قيمة المنتجات الوطنية ويصبح الاقتصاد الوطني يعتمد على اغراق السوق المحلية بالمنتجات المستورة من الخارج .

وبالحديث عن أسباب ظهور الاقتصاد الريعي والعوامل المساعدة على دوامه ، بالرغم أن هذه الأسباب ليست موضع البحث الا أنه من اللازم الاشارة لها ، فالإقتصاد الريعي قادر على الإنتعاش في أجواء اقتصادي خاصة مثل قلة وتعثر التوظيفات الراسمالية في جسم الاقتصاد الوطني وعدم وجود اقتصا انتاجي اصلا وقلىة العدالة في توزيع الدخل القومي وزيادة الفقر والبطالة ، وبالرغم من اهمية العوامل الاقتصادية وضرورتها هنا الى ان نشوئها في كل الاحوال يستدعي وجود عوامل اخرى فهناك حاجة إلى عوامل مكملة سياسية وثقافية واجتماعية ، إن أهم العوامل السياسية التي لها صلة بالعوامل الاقتصادية في ظهور الاقتصاد الريعي هي تمركز السلطة والاستبداد وتعثر مؤسسات الرقابة وانعدام المشاركة السياسية ، وتلعب عوامل ثقافية واجتماعية أيضاً دوراً إلى جوانب العوامل الاقتصادية والسياسية في العملية الريعية، من بينها معاداة التحديث والتجديد والإيمان بالقضاء والقدر والصراعات القومية وانخفاض مستوى المعيشة والتركيبة الاجتماعية غير المناسبة والأمية الواسعة وغيرها من عوامل تخلف المجتمعات ، وأخيراً ضعف مؤسسات العلوم التجريبية والبحث العلمي . كما ان اللاقتصاد الريعي لا يرى نفسه مكاناً في المنظومة التكنولجية الحديثة فهو يعتمد عادة على التقليدية منها والتي هي اصلا اقل انتجية وغير مربحة بالنظر التكنولوجيا الحديثة.

المبحث الثاني : بنية الاقتصاد الفلسطيني منذ نشاة السلطة الفلسطينية

من الضروري الإشارة في البداية الى وعد بلفور الذي كان منعطفاً هاماً في حياة الفلسطينين ، والذي انشاء الوطني القومي لليهود في فلسطين وسمي فيما بعد بدولة اسرائيل ، حيث يشكل هذا الوعد ملخصاً للأهداف الإستعمارية من خلال السيطرة على ارض فلسطين لبناء دولة إسرئيل ، ولإن الارض هي اساس هذا الوعد فهي في جوهرها أساس المطامع الإستعمارية والتي تشكل العمود الفقري لأي إقتصاد في العالم ، ليس موضوع بحثنا هو تحليل الخلفيا التاريخية ولكن بغية ربط التاريخ بالواقع يجدر الإشارة الى ذلك .

ومع مرور الزمن وسيطرة الإحتلال الإسرئيلي على أكبر قدر من الأراضي الفلسطينية تميز الاقتصاد الفلسطيني بنوع من التعقيد والذي انتج اقتصاداً بونيوياً وشكلياً متاثراً بعوامل عديده اهمها انه نشأ في ظل ظروف خارجية تاريخية اثرت به تأثيرا مباشراً كونه يقبع تحت الاحتلال الاسرئيلي منذ نشأته ، الأمر الذي بالضرورة سوف ينعكس على اية محاولة بحثية لدراسته .

منذ العام 1967 ولغاية اليوم ، تحول الاقتصاد الفلسطيني الى اقتصاد تابع للاقتصاد الإسرائيلي وبات تطوره مرتبطاً ارتباطا وثيقا بسياسة الاحتلال الاسرئيلي الاقتصادية ، حيث أن حكومات الاحتلال الاسرئيلي المتعاقبة اتبعت عدة سياسات تدميرية ممنهجة ضد الاقتصاد الفلسطيني تهدف الى تحويل الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة الى اقتصاد تابع استهلاكي وسوق لمنتجات الاحتلال وفي بعض الاحيان الى سوق لتسويق المنتجات الفاسدة والرديئة منها ومصدرا للايدي العاملة الرخيصة مما ادى الى تدمير وتشويه النظام الاقتصادي الفلسطيني ، وكان ذلك كله على حساب التطور الطبيعي للاقتصاد الفلسطيني وانتاجيته وعلى حساب التنمية المستدامة ، واستمرت السياسة الاسرئيلية المدمرة للاقتصاد الفلسطيني حتى بعد توقيع اتفاقية اوسلو عام 1993 تحت مبررات كثيرة.

بالرغم من توقيع الاتفاقية السياسية مع الفلسطينين وعملية السلام التي لاقت احتفالاً ودعما دولياً ، الا أن استمرار الاحتلال على الى الارض حرم الاقتصاد الفلسطيني من النمو ، فلا يمكن للاقتصاد الفلسطيني ان ينموا تحت وطئة الاحتلال فحريته مقيدة بالعمل والحركة في المناطق الفلسطينية بسبب وجود الاحتلال كأمر واقع من خلال الحواجز التي تؤثر على حركة التنقل بين منطقة فلسطينية واخرى والاستيطان والجدار الذي حصد مجمل الاراضي الفلسطينية التي تشكل اساس البنية التحتية للاقتصاد ، كما يسيطر الاستيطان على أخصب المناطق الفلاحية وعلى مناطق “غور الأردن”، في حين يمنع الإحتلال أصحاب الأرض الشرعيين من حفر الآبار ومد الأنابيب وإنشاء السدود والطرقات، واستيراد بعض الأسمدة التي تشكل الاقتصاد الزراعي الفلسطيني.

وبالحديث عن الاقتصاد الفلسطيني بعد اوسلو يجب ان نشير الى عدة محدادت وصفات والتي تعد مقومات رئيسية للاقتصاد الفلسطيني وهي كالاتي :
1 . الطبيعة الطوبغرافية: ويقصد بها المكان الذي يعمل عليه الاقتصاد الفلسطيني والذي ينحصر بالاراضي الفلسطينية التي تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية والتي تقع في الاراضي المحتلة عام 67 في الضفة الغربية وقطاع غزة ، والمعيقات في هذه المحور تتكرس في عدم التواصل الجغرافي الطبيعي بين الضفة الغربية وقطاع غزة و انفصال الضفة وغزة عن القدس بعد ضمها إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، وتقسيم مناطق غزة والضفة اجزاء صغيرة متحكم بها الاحتلال العسكري الذي يحول دون حركة الاقتصاد الفلسطيني بالاضافة الى عدم وجود أي حدود تسيطر عليها السلطة الفلسطينية.

2. الموارد الطبيعية والتي تتضمن الأراضي الزراعية والمصادر المائية والمعدنية ، الاراضي الزراعية هي ما يملكه الفلسطينيون بشكل عام واساسي ويتخللها اراضي غير صالح للزراعة من صحاري هنا وهناك واليت تعتمد في معظمها على الري بالامطار أي انها بعلية فالغابات فتشكل 1% من الأرض، والمراعي 11%، والأراضي السكنية 8.2%، الأراضي الجرداء 14.5%، (يمنع استعمالها مستوطنات ومناطق عسكرية)، مقالع الحجارة والرمل 0.4% ( يمنع استعمالها إلا برخصة)، والمستوطنات الإسرائيلية 3.4%، والمناطق المغلقة عسكرياً 17.5%، والقواعد العسكرية 1.6%، ومحميات مغلقة 12.3%، وما تبقى هي اراضي مصادرة من الاحتلال الاسرائيلي وتبلغ 63% من الأراضي الفلسطينية لصالح المستوطنات والقواعد العسكرية والطرق الالتفافية والمناطق الأمنية ، اما المصادر المائية فهي كبيرة نسبيا خاصةكمية الأمطار المتساقطة سنوياً والتي تبلغ 2410 مليون متر مكعب التي تعد المصدر الرئيسي للاحواض الجوفية والتي تسيطر عليها الماكنة العسكرية الاسرئيلية لصالح دولة الاحتلال بالاضافة الى الاحواض المائية الرئيسية في الضفة الغربية وقطاع غزة والتي تسيطر علي غالبيتها دولة الاحتلال مما يشكل معيقا رئيساً لنمو الاقتصادي الفلسطيني ، اما الموارد المعدنية فتعد الاراضي الفلسطينية من الارضاي الفقيرة بها فلا تتوفر فيها المعادن الهامة اقتصادياً مثل النفط، الفوسفات، الحديد، النحاس، الألمنيوم ما عدا البوتاس الذي يستخرج من البحر الميت المستخرج من قبل دولة الاحتلال .

اخيراً الموارد البشرية حيث يبلغ مجموع الفلسطينيين المتواجدين في االاراضي المحتلة عام 67 نحو 3.56 مليون نسمة في الضفة والقطاع، القضية التي تكم خخطورتها هنا ان مجموع الايدي العاملة والتي تشكل في احصائيات سابقة خاصة في عام 2002 اكتر من النصف لا يمكن الاستفادة منها في الاقتصاد الفلسطيني وذلك لسببين الاول ان الاقتصاد الفلسطيني ولاسباب عدة لا يملك مشاريع اقتصادية ضخمة لاستيعاب هذه الطاقة ولان الاحتلال الاسرئيلي اصلاً يستفيد من هذه الطاقة للعمل لديه بسبب استغلاله لها في المستوطنات وفي مشاريعه في الاراضي المحتلة عام 48 .

منذ توقيع اتفاقية اعلان المبادئ (اوسلو)ونشأت السلطة أخذ الاقتصاد الفلسطيني منحى وشكلاً جديدا متأثرا بذلك ، حيث تحول هذا الاقتصاد الى إقتصاد غير منتج ومعتمد إعتماداً رئيسياً على التمويل الأجنبي ويتأثر بشكل مباشر به ، كما أدى الى إنعكاس سياسة المانحين عليه ،الأمر الذي غير سياسات السلطة تبعاً لها وتأثيراً بها ، وتدريجياً أثر بشكل تدريجي على علاقة المواطنين بنظام السياسي الفلسطيني ممثلا بالسلطة الفلسطينية.

طرأ تغير كبير في شكل النظام الاقتصادي الفلسطيني في هذه المرحلة حيث بات اكثر ميولاً الى القطاعات الخدماتية والانشاءات ، وبالضرورة كان هذا على حساب القطاعات الانتاجية الداعمة للناتج المحلي ، كما شهد الاقتصاد الفلسطيني تطورات نوعية في قطاعات جديدة مثل تكنولوجيا المعلومات والقطاع المالي والمصرفي وصناعات جديدة مثل الادوية ، مع تراجع واضح في قطاعات اخرى تقليدية كالزراعة والصناعات الحرفية والمنسوجات .

ومن ناحية أخرى أن نسبة عالية من الفلسطيني أضحوا يعتمدون على توفير دخلهم من خلال المؤسسات التي نشأت مع السلطة الفلسطينية من مؤسسات المجتمع المدني التي بلغت المئات ، ومؤسسات حكومية بلغت العشرات ، وبلغ عدد الموظفين العموميين مثلاً في عام 2011 الى 152,098 موظفا ، وبالرغم أن هذا العدد عاليً للوهلة الأولى إلا انه يأتي في النطاق الإقليمي من جانب ، ومن جانب آخر يعتبر من النسب الأعلى عالمياً من وجهة نظر البنك الدولي إستناداً الى فاتورة الرواتب التي تشكل من الناتج المحلي 22%.

في محاولة من قبل السلطة الفلسطينية لببناء اقتصاد فلسطيني منذ نشأتها قامت بعقد عدة اتفاقات تجارية مع العالم الخارجي بهدف بناء الاقتصاد الفلسطيني وتسهيل التجارة الا ان ذلك لم يغير شيئ على ارض الواقع بسبب الاحتلال وبسبب ارتباط السلطة الفلسطينية باتفاقيات سياسية وعدم قدرتها على التحكم باي من الحدود التي هي عصب حرية التجارة ، الامر الذي ادى الى عجز تجاري بلغ في نهاية عام 2012 الى نحو 3,479 مليون دولار ، وبخصوص بالاسواق في اسرائيل ظلت الوجهة الاولى للمنتجات الفلسطينية بالرغم من انخفاضها من 94% الى 86% ، وانخفاض الصادرات من اسرائيل لصالح الاسواق العالمية مع فتح اسواق جديدة مثل الصين .

وبناء على ما سبق فأن للاحتلال اثر كبير على الاقتصاد الفلسطيني فهو مرتهن له ، حيث ان السلطة كانت تعلن دائما انها تحاول ان تخلق اقتصاداً مستقلا يراعي طبيعة الشعب الفلسطيني وصموده ، الامر الذي كان صعبا عليها بسبب جثوم الاحتلال على الارض ومنعه أي محاولة لتطور هذا الاقتصاد واستقلاليته ، بل انه اصبحا تابعاً من جديد بالرغم من المحاولات لاستقلاليته بسبب مرحلة السلام او التسوية والتي ارتهنت بالتمويل الاجنبي واصبحت تابعة له.

الفصل الثاني:
التمويل الاجنبي آليات التدخل والإستدخال كنموذج ريعي وتبعيته للتمويل

سوف يعالج هذا الفصل التمويل الأجنبي من ناحية أهدافه الحقيقية من جانب المانحين ومن جانب السلطة الفلسطينية ، ومن جانب أخر إعتبار التمويل الأجنبي نموذج ريعي معيق للتحول الديمقراطي وتحويل الإقتصادي الفلسطيني الى تابع للتمويل الأجنبي ، بالإضافة الى تابعيته للإحتلال من الأصل من خلال مبحثين كالآتي :
المبحث الاول :التمويل الأجنبي في فلسطين آليات التدخل والإستدخال .
المبحث الثاني : التمويل الاجنبي كنموذج ريعي متحكم في الإقتصاد الفلسطيني .

المبحث الاول :التمويل الاجنبي في فلسطين آليات التدخل والاستدخال

مع اتفاقية اوسلو التي جاءت تكليلا لنجاح عملية التسوية السياسية بين الفلسطينين والاسرئيلين والتي تعتبرها الورقة مدخلا مرحليا لدراسة التمويل الاجنبي في فلسطين في هذه الحقبة ، حيث أنه بعد اتفاق اعلان المبادئ بين منظمة التحرير والاحتلال الاسرئيلي عام 1993 عقد في اكتوبر من نفس العام مؤتمرا للدول المانحة بهدف الدعم المالي وتقديم المساعدات المادية للسلطة الفلسطينية ، حيث تمحورت أهداف هذه المساعدات حول دعم عملية التسوية او الاتفاقية التي عقدت بين الطرفين ، ودفع عجلة التنمية للامام في مناطق السلطة الفلسطينية من خلال تنفيذ المشاريع التنموية اللازمة ، وتعزيز وبناء اقتصاد واعد يتماشى مع طبيعة المرحلة ، واخيراً ترسيخ عمل المؤسسة الفلسطينية ديمقراطية وحماية حقوق الانسان .

وبالرغم ان المعلن حول هدف التمويل ، انه جاء لخدمة الفلسطينين وبهدف التنمية ، الا ان الواقع مختلف اذا ان الكثير من هذا التمويل يخدم الاحتلال الاسرئيلي عبر شركاته سواءا بشكل مباشر او غير مباشر ، وتشير تقارير الامم المتحدة ان 45% من المساعدت التي توجه الى الفلسطينين تستفيد منها دولة الاحتلات الاسرائيلي ، كما كشفت تقارير ذلك خاصة وثيقة للحكومة الكندية حديثا في نهاية عام 2012 ، التي اشارت الى انها دفعت ملايين الدولارات للسلطة الفلسطينية من اجل حماية أمن اسرئيل من خلال هذه المساعدات المالية التي تصرف على الأمن الفلسطيني ، كما ان الحكومة الكندية هددت بوقف المساعدات المالية بسبب توجه الفلسطينين للامم المتحدة لكسب موقف دولي في السنوات الاأخيرة .

القضية هنا ليست اقتصادية في مبتغاها، وانما جاءت لدراسة واقع الاقتصادي بتمويله الاجنبي وكيف أثر على حالة التحول الديمقراطي في فلسطين من خلال دراسة واقع الحال بين الاهداف المعلنة للتمويل الاجنبي لدعم الفلسطينين وبين واقع الحال الذي آلت اليه الامور، رابطاً القضية بسياسة السلطة الفلسطينية منذ انشائها في التعامل مع التمويل الاجنبي باعتباره احد المحددات الرئيسية للاقصاد الفلسطيني ، وحول التساؤل هل ادخل التمويل الاجنبي الى فلسطين بهدف دعم تطوير اقتصاد فلسطيني عان الكثير من ويلات الاحتلال وما مدى تورط السلطة الفلسطينية باستدخالها لهذا النوع من التمويل الذي شكل في معظمه الاقتصاد الفلسطيني .

لاحقاً للاتفاق اعلان المبادئ بين منظمة التحرير والاحتلال الاسرئيلي عام 1993 بروتوكول العلاقات الاقتصادية لسنة 1994 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية أعطى شكلا جديدا للسياسة الاقتصادية العقابية للشعب الفلسطيني ، فاصبحت السياسية الاسرائيلية موضوع اتفاقيات تفسرها كيفما ارادت لبسط عقابها على الفلسطينين من خلال السلطة الفلسطينية وهذا ما يفسر في الكثير من الأحيان سياسة الاحتلال الإسرائيلي بضرب الاقتصاد الفلسطيني .

كما ان السياسة الاقتصادية للاحتلال كانت موجهة لدعم مستوى معين من النخبة في السلطة الفلسطينية الامر الذي يتضح من مستوى الخدمات والتسهيلات المتوفر لهذه النخبة من سياسين واقتصاديين فلسطينين حتى في اصعب ظروف العقاب التي كانت تمارسه دولة الاحتلال ، واتضح ذلك جليا خلال الانتفاضة الثانية وبعدها الى اليوم .

وفي هذا السياق وما يثبت تورط بعض السياسين والاقتصاديين الفلسطينين في ضرب اقتصادهم الوطني لغاية تحقيق مصالحهم الاقتصادية الخاصة ، بعض السياسيين والاقتصاديين الفلسطينيين في القطاعين الرسمي والاهلي رأوا ان الفرصة سانحة بعد توقيع اتفاق السلام لتوسيع شبكة مصالحهم الاقتصادية الفلسطينية الاسرائيلية بإعتبار ان الاقتصاد الفلسطيني فقير متجهين الى الاستفادة من الاقتصاد الاسرئيلي الغني ، حتى في احلك الظروف كانوا يبررون توجهم الى أحضان الإقتصاد الإسرائيلي بإعتبار ان قضية وطنية ، وادعائهمان أن هدفهم الالتفات على الاحتلال لصالح القضايا الوطنية مستندين الى الرعاية السخية لمجتمع المانحين عموما ومؤسسات التمويل الدولية خصوصا ، وهنا يجب الاشارة الى ان هذه الادعاءت لم تنطلي شعبيا على الكثير من الفلسطينين ولم تغير من موقف السلطة الحامي لهذا التوجه الصامت والمحايد خاصة بعد الانتفاضة الثانية وعودة المفاوضات التي رافقت الازمة في المفاوضات و الاحباط السياسي وتسارع الاحتلال على الارض من خلال الاستيطان.

قدم “المانحون” أكثر من 20 مليار دولار خلال عقدين (منذ توقيع اتفاقية أوسلو) ذهب أغلبها إلى رواتب أجهزة السلطة وتمويل العجز المالي (وليس للاستثمار) ، سوف نشير هنا على حجم التمويل الاجنبي للسلطة الفلسطينية على مرحلتين الاولى منذ نشأة السلطة عام 1993 لغاية عام 2001 مع بداية الانتفاضة الثانية بإعتبار هذه المرحلة من المراحل الهامة في حياة الاقتصاد الفلسطيني ، منذ العام 1993 ومع بدء العملية السلمية اجتمعت الدول المانحة و تعهدت بتقديم ما مجموعة 2.3 بليون دولار أمريكي خلال اول خمسة سنوات ،للمساعدة في إنشاء السلطة الوطنية ، وتدريجيا وبسبب المتغيرات الامنية التي قامت في حينها اسرائيل زادت المساعدات حتى وصلت الى 3.42 بليون دولار أمريكي تم الالتزام ب 2.84 بليون دولار أمريكي منها أو ما يشكل 46 %.

وبالرغم من الاختلافات الموجودة حول حجم المساعدات وبين ما اعلن عن التعهد به وبين ما التزم به فعليا الا أن هذا الاحتلاف لن يؤثر على موضوع بحثنا ، وذلك لان الهدف من الاشارة الى حجم هذه المساعدات جاء للمقارنة بين حجمها وحجم الاقتصاد الفلسطيني ككل لمعرفة حجم اعتماد هذا الاقتصاد على هذه المساعدات ، كما يجب الاشارة الى ان المساعدات خلال هذه الفترة اتصفت بالتذبذب بشكل عام وذلك لاعتماد هذه الالتزامات على مواقف الدول السياسية المانحة إتجاه السلطة الفلسطينية ، الذي كان واضحا بشكل فعلي خلال الانتفاضة الثانية وما بعدها ، حيث بلغت 926.8 مليون دولار أمريكي عام 2003 ، ولكنها انخفضت بشكل حاد عام 2004 لتصل إلى 489.09 مليون دولار أمريكي نتيجة للازمة السياسية التي رافقت الانتفاضة الثانية.

ان القضية المحورية التي يجب ان نعيها هنا هي ان ” الإعتمادية على المعونات ” النسبة بين المعونة والدخل القومي الاجمالي كان واضحا بتزايد ملفت منذ عام 1999 حيث صنفت مناطق السلطة الفلسطينية من اكثر المناطق في العالم اعتمادا على المساعدات الامر الذي يقوض الى مبادرة اقتصادية لخلق او دعم اقتصاد فلسطيني على الأقل لأمد قصير .

وبالرجوع الى الاهداف المعلنة كان واضحا عليها أنه لم تحقق شيء باعتبار الواقع المحتل ضمن سياسة تمويلية تعتمد على ردات فعل السياسية إتجاه الاحتلال ، والذي كان هدفها الملموس هو ترويض الفلسطينين وتهدئتهم في مقاومة الاحتلال الامر الذي يؤكد على تورط السياسة التمويلية للمانحين وفق التزاماتهم مع السياسة الاحتلالية الاستعمارية ، خاصة اذا نظرنا على حجم المساعدات التي دعمت الاقتصاد الفلسطيني دون الولوج في أهداف تنموية تعزز اقتصادا مستقبليا مستقلا وغير تابع ، ففي كل مرة تقوم الالة العسكرية الاسرئيلية بتدمير البنية التحتية التي تشكل الاساس الاقتصادي تخرج محاولات المانحين الى التمويل لجذب الانتباه وابعاد التوجه الى محاسبة هذه الانتهاكات ، وهذا كان واضحا بشكل جلي في احداث الانتفاضة الثانية وما تبعه من سياسة تمويلية اعتمدت بشكل فعلي على مواقف الدول السياسية .

يتجلى هذا المفهوم مثلا في سياسة الوكالة الامريكية USAID التي كان تشترط على أي تمويل التوقيع على ما يسمى وثيقة الارهاب والتي عرفت بأنها التزام وتعهد الاطراف الممولة من فلسطينين بتنازلهم عن حق المقاومة من خلال التوقيع على وثيقة تسمى نبذ الإرهاب تحت طائلة المسؤولية بقطع التمويل لمشاريعهم ، وهنا وما يثبت تورط السياسة الفلسطينية والسماح بمرور هذه الاشتراطات، بالرغم ان التشريعات الفلسطينية خاصة قانون الجمعيات المعمول به في الاراضي الفلسطينية تمنع أي اشتراطات لاجندات سياسية للدعم او التمويل بل بالعكس كانت السلطة الفلسطينية في كثير من المحافل وبروتوكولات التوقيع على هذه التمويلات المشترطة حاضرة بشكل رسمي عبر مؤسستها الرسمية ، وفي جميع الاحوال تعلم علم اليقين بهذه الاشتراطات .

ومن الاشارات التي تثبت تحكم وتبعية الاقتصاد الفلسطيني للتمويل الاجنبي هو ان التمويل الاجنبي به جزء كبير عبارة عن قروض واجب على السلطة الفلسطينية تسديدها والذي كان ملفتا تنامي هذا الشكل من التمويل الاجنبي بقروض تتداعى وتلتزم به الموازنات العامة السنوية للسلطة، ففي عام 2003 خصص65 مليون دولار امريكي من الموازنة العامة لغرض تسديد بعض القروض وفوائدها ، والذي يسدد اصلا من اموال التمويل التي تقدم دعما للموازنة في حينه.
وهنا ايضا مسألة بالغة الاهمية هي ان وبسبب الانقسام السياسي بين فتح وحماس لم تصدر الموازنات العامة بشكلها القانوني حسب الاصول الديمقراطية ولم تعرض منذ الانقسام بشكل شرعي على ممثلي الشعب عبر مجلسها التشريعي المعطل ولم تنشر الموازنات العامة اصلا ، الأمر الذي يشكل خلالا كبير في مفهوم الديمقراطية التي تقتضي مشاركة الشعب بها والذي يشكل معيباً للبنية الاقتصادية الفلسطينية باعتبار الاقتصاد احد مكونات الرئيسية للنظام الديمقراطي.

بخصوص تمويل المؤسسات الغير حكومية او التمويل الغير مباشر للاقتصاد الفلسطيني فانه جاء مرتفعا نسبيا مقارنة لطبيعة عمل هذه المؤسسات والحجم الكلي للمساعدات المقدمة والتي وصلت في عام الاعوام الاخيرة الى حوالي 9% من حجم المساعدات وقد بينت دراسة اعدت من قبل معهد السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) بعنوان “علاقات المنظمات الغير حكومية الفلسطينية فيما بينها ومع السلطة الوطنية الفلسطينية والممولين ” ان الاعتماد الكبير لعمل هذه المؤسسات على اساس تمويل المانحين كما ان الارتباط كبير بين التمويل والاشتراطات السياسية بناء على تاييد عملية التسوية السياسية الجاري واعتمادهم على رؤوية الممولين للاحتياجات دون ان يكون لديهم رؤية واضحة حول هذه الاحتياجات او تاثيرها بروؤية المانحين .

استطاعت السلطة الفلسطينية من خلال مؤسساتها العامة والوزارت جذب التمويل بشكل كبير ، وتهافتت للحصول على قدر اكبر منه دون التخطيط الدقيق في جدوى المشاريع الممولة محتكمة بذلك الى مزاجات القائمين على جلب التمويل واعتباراتهم الخاصة ، الامر الذي غيب التخطيط السليم وهذا ما يتجسد دائما في الخطط التنموية التي تصدرها السلطة الفلسطينية ، كما ان التهافت وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات والوزارات ادى الى هدر هذه المساعدات وصرفها في المشاريع الشكلية وبتالي الحياد عن اهدافها الحقيقية ، وغياب الرقابة سواءا التشريعية من خلال المجالس الممثلة المعطلة والشعبية .

وهنا وفي سبيل تبيان اوجه التدخل والاستدخال للتمويل الاجنبي ، التدخل من قبل المانحين لهذا التمويل في الاقتصادي الفلسطيني لخدمة اهداف لا يمكن قراءاتها الا وتتجه تلقائياً بالتحليل بعيداً عن أهدافه المعلنة ، والاستدخال بفحص مدى تورط السلطة الفلسطينية واصحاب القرار الفلسطيني في الترحيب بحسن نية او او بسوئها بتمهيد الطريق لها ، ما للتمويل من أثر الكبير على الديمقراطية الفلسطينية ان استطعنا ان نطلق هذه التسمية على ما سبق ، وبناء على ما سبق ذكره يمكن سرد بعض التحليلا لإسناد مقولاتنا هنا حول التدخل والاستدخال .

• حول التدخل للتمويل الاجنبي كتب صبيح صبيح تحت عنوان “المنظمات غير الحكومية الفلسطينية: تهجين المشروع الوطني مقابل التمويل الدولي ” ما يقال في هذا الشأن حول تحليله للاهداف الخفية للتمويل الاجنبي للفلسطينين بالاشارة الى مفهوم الجدل الذي بدا بالصعود بين بين منظري خدمة هذا التمويل للاولويات العمل الاجتماعي والسياسي في الاراضي المحتلة وبين وأخرين بتصوير هذه الاسباب بالانتهازية الذي يخدم في جميع الاحوال طيلة عمر التمويل ، كما يشير الى ان جميع المبررات تغفل دور الهيمنة في هذا التمويل واعادة ترتيب الاستعمار بشكل اكثر جملا ورومنسية .

• في الحقيقة ودون الخوض في التفاصيل فأن ما قدمه المانحين الى الان لا يتعدى اعادة تركيبة جديدة للاستعمار واعادة تشكيل وعي حول القضية الفلسطينية وحدودها ، وما هي الا تصورا لحقبة اوسلو وتقديمها على انها مرحلة جديدة منفصلا تماما عما سبق ، فالهدف الرئيسي وكما قدمه المانحون هو سياسي بتفوق “بناء السلام” بناء السلام الذي يتناقض وكما اتفق عليه وكما هو معروض هو استمرار سيطرة الاحتلال وحماية امن اسرئيل دولة الاحتلال والقضاء على كل من يخرج عن هذه الفكرة حتى ولو على حساب الفلسطينين .

• على صعيد اخر حول استدخل التمويل الاجنبي اذا اردنا ان ندين النظام السياسي الفلسطيني بتورطه في هذا التمويل من جانب عدم استغلاله لاهداف تنموية وفي سياق بناء نظام فلسطيني ديمقراطي حتى لو تحت الاحتلال ، فان هناك مؤشرات كثيرة يمكن ادراجها هنا ، فالتداخل الذي خلقته السلطة الفلسطينية خاصة المبني على اعتبارات خاصة ممن يتحمكون في هذا التمويل كان احدها ، بالاضافة الى عدم التخطيط الناجع لاستراتيجيات واضحة تخدم طبيعة المرحلة التي تقتضيها القضية الفلسطينية أي برنامج تنموي يعزز الصمود ويخلق نظاما اقتصاديا مستقلا بعيدا عن اجندات الممولين السياسية التي ما دئبت الا ان جاءات خدمة الاحتلال في نتائجها النهائية .

المبحث الثاني : التمويل الاجنبي كنموذج ريعي متحكم في الإقتصاد الفلسطيني .

إن التجربة الديمقراطية الفلسطينية في إطار السلطة الفلسطينية غير عريقة اذا ما نظرنا لها في حدود حقبتها الزمنية ، حيث كانت اول تجربة ديمقراطية خاضها الشعب الفلسطيني هي في عام 1996 ، وبالرغم أن هذه الانتخابات كانت فقيرة من ناحية المشاركة خاصة ان الكثير من الاحزاب السياسية الفلسطينية قاطعتها لاعتبارها وليدة اتفاقية سياسية عارضوها منذ البداية ، الا ان الكثير من الدول (هم نفسهم الممولين والدول المانحة) اشادت بها ، والتي ارى ان ذلك يرجع لايجاد مبررات لنتائج تمويلهم .

عقدت الانتخابات الفلسطينية في عام 1996 على اساس الاتفاقيات التي عقدت بين منظمة التحرير الفلسطيني وبين دول الاحتلال الاسرئيلي حيث تشير المادة الثالثة من إعلان المبادئ (اتفاق أوسلو) الموقع في واشنطن بتاريخ 13 سبتمبر 1993، بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، إلى ضرورة إجراء انتخابات عامة حرة ومباشرة، لاختيار أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني ، وفي سبتمبر 1994 جرى التوقيع على الملحق الثاني الخاص بالانتخابات، وذلك في إطار الاتفاقية الفلسطينية – الإسرائيلية المرحلية حول الضفة الغربية وقطاع غزة (اتفاق طابا)، الموقعة في واشنطن بتاريخ 28 سبتمبر 1995 ، وبموجب هذا البروتوكول، جرت الانتخابات للمجلس التشريعي ولرئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية ، كما نصت الفقرة الثانية من المادة الأولى من هذا الملحق على أن ” إجراء انتخابات لمنصب الرئيس وللمجلس الفلسطيني سيحكمها هذا الملحق وقانون انتخاب الرئيس والمجلس الفلسطيني، والأنظمة المعمول بها ضمن هذا القانون”. كما تم التأكيد على ضرورة أن تتماشى مواد قانون الانتخابات الفلسطيني وأنظمة الانتخابات مع مواد وبنود الاتفاقية الموقعة بين الطرفين، إلا في القضايا التي لم يتم تحديدها بوضوح في الملحق، عندها يسري أحكام قانون الانتخابات وأنظمة الانتخاب المعمول بها.

يعتبر هذه المدخل بالنظر الى الاطراف الموقعة عليه من المداخل المهمة لرسم توجه التمويل الاجنبي بكافة اتجاهاته ، الاوروبي (مملكة النرويج ) والامريكي ، حتى العربي ممثلا بجمهورية مصر بالاضافة الى روسيا ، نرى هنا أن الديمقراطية الفلسطينية الأولى في عهد السلطة بصورتها الممثلة بالانتخابات فرضت على الفلسطينين بإتفاق سياسي وبحضور أطراف دولية هي نفسها الأطراف الممولة ، على شكل منحة مالية دون مشاركة الفلسطينين ديمقراطياً باختيار الشكل الانتخابي كحق بتقرير مصيرهم ، خاصة ان فصائل فلسطينية بغالبيتها والتي تمثل نسبة لا بأس بها من الفلسطينين اعلنت مقاطعتها لهذه الاتفاقيات وما نتج عنها من انتخابات في حينه ، مثل الحركات الاسلامية حماس والجهاد الاسلامي واليسار الفلسطيني ممثلا بالجبهة الشعبية ، هذه اشارة اخرى حول دور الدول الاجنبية الممولة اصلا لكل عمليات دعم هذه التسوية السياسية المعقودة بين الطرف الفلسطين والاسرائيلي المحتل .

وبالذهاب الى الانتخابات الثانية والتي تجاوزت موعدها القانوني ،المدة تجاوزت الست سنوات عند انعقادها والتي كان مفترضا عقدها في عام 2000 ولكنها عقدت في عام 2006 لاسباب عديدة لا مجال لذكرها هنا ، نلاحظ ملامح واضحة للدور الاجنبي في هذه الانتخابات ، حيث انه بعد فوز حركة حماس باغلابية مقاعد المجلس التشريعي ،توجه معظم المانحين الى سحب وتقييد المساعدات الدولية ، هذه الاشارة أخرى على تعلق التمويل الاجنبي بإجندات سياسية واضحة لمانحيها والتي تقول بلسان حالها ان المهم ليس الديمقراطية بإداتها الانتخابات وانما رؤيتنا السياسية لأي طرف يصل الى التمثيل الفلسطيني بشكل ديمقراطي.

للديمقراطية الفلسطينية خصوصية كونها تقبع تحت إمرة الاحتلال ، ولكن بالرغم من التجربة الديقراطية باوضاعها المتعددة والتي عاشها الشعب الفلسطيني خارج اطار السلطة وخاصة بعد قدومها ، الا انها تشكل في مجموعها حالة تناقض مع سياق حركات التحرر بكل مكوناتها خاص الاحزاب السياسية كونها خرجت لمقاومة الاحتلال والعيش بحرية ، لذا فعمل مقاربة بسيطة للاستحقاقات الانتخابية ممثلة بصناديق الاقتراع ، نجد ان جميع الدعم والتمويل الاجنبي لها جاء لخدمة الهدف العام الذي يخدم التسوية وخلق قيادة ونخبة فلسطينية تنازل لصالح الصناديق عن الشرعية الثورية وجرها الى استحقاقات اخرى مرتبطة بوثائق اتفاقيات التسوية .

يمكن تلخيص حالة اوسلو أنها سعت كإتفاقية وسلطة فلسطينية التي أنتجتها في الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1994، الى اعادة صياغة معالم الفلسطينين السياسية من مرحلة ثورية ممثلة في فصائلها السياسية وتوجيه جديد من حالة الصراع مع الاحتلال الاسرئيلي الى حالة مؤسساتية تعج بالمكاتب الورقية والرواتب المالية واغراقها في هذه الحالة ، وخلق قيادة سياسية جديدة تحكمها اتفاقيات سياسة ممولة من العالم ومحكومة بشروط وقيود الاحتلال ، وهذا ما يتبين في المحور التاليين .

1. اولهما ان قيادة العمل الوطني الفلسطيني الثورية التي قاومت الاحتلال كانت في خارج الوطن وما استحدثته اوسلو أنها بنت جسرا عبره الغالبية من هذه القيادات الى الداخل وبتالي كانو اكثر محدودية على الارض وعلى التزامهم بالاتفاقيات السياسية وحتى لو تاخر البعض على العبور الا ان المعظم وصل في النهاية الى الاراضي الفلسطينية في ظل السلطة المحتكمة والتابعة .
2. ثانيهما ان كافة الفصائل الثورية التي وجدت لمقاومة الاحتلال انضمت الى منظومة اوسلو ولو كانت متاخرة أيضاً في معظمها مع بعض الاستثناءات مثل الجهاد الاسلامي .

في السنوات الاخيرة منذ عام 2007 حظي الاقتصاد الفلسطيني ممثلا بالخزينة العامة للسلطة الفلسطنية بتمويل مستقر مرافقا بهدوء أمني ، وكانت هذه الفترة مرتبطة بالاصوات المتعالية بضرورة النمو الاقتصادي الذي يعد أمراً شكلياً ، وكانت السلطة الفلسطينية تسوق لهذا الاصوات والمطالبات من خلال الخطط الاقتصادية الحكومية وطفرة العمران وكثير من الشكليات من معارض السيارات والفنادق والمطاعم على انها دليل على الاقتصاد الفلسطيني القوي ، هذه المحاولات كانت عبارة عن ذر الرماد في العيون ويمكن ربط هذه المرحلة إجمالا بعدة محاور مهمة يجب الاشارة لها ، ونقصد هنا بالمرحلة تلك المرحلة التي جاءات بعد الانتخابات التشريعية والتي رافقها انقسام سياسي فلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة .
• المحور الاول ارتباطاً بالانتخابات الفلسطينية التشريعية والتي ادت الى فوز حركة حماس الاسلامية باغلبية مقاعد المجلس التشريعي .
• المحور الثاني الانقسام السياسي والذي ضرب الحياة الديمقراطية وكافة نواحي الحياة الفلسطيني والذي ادى الى أثر عميق في النظام الديمقراطي الفلسطيني .
• المحور الثالث الذي يأتي متعلقا بالتمويل الاجنبي خلال هذه الفترة والذي انقسم هو ايضا في محاولة منه لتعزيز كل طرف يدعمه على حساب الاخر في اطراف الانقسام الفلسطيني وفي الغالب انقسم بين مؤيد لتمويل حكومة غزة ممثلة بحركة حماس واخر حكومة الضفة الغربية ممثل بحركة فتح .
في كل المحاور السابقة نلاحظ ان ما أظهرته هذه المرحلة هو الخلل الواضح في التحول الديمقراطي الفلسطيني وما رافقها من حالة من القمع والاقصاء التي شهدتها الضفة الغربية من قبل سلطتها ضد خصومها في حركة حماس والامر ممثال تماما لما احدثته حركة حماس هناك ايضا في غزة بحق فتح ، ونكاد نجزم هنا ان الاقتصاديتين الفلسطينيتين باعتبارهما منفصلتين بانفصال الفلسطينين في قطاع غزة لولا التمويل الاجنبي الرسمي والغير رسمي لما تعزز حالة هذا الانقسام هذه ولم اخذت مسارها الى يومنا هذا .

ان عملية قياس التحول الديمقراطي في أي مجتمع بحاجة الى دراسة مستفيضة ومركز مرفقا بها مراقبة لعدة مؤشرات صعب الاتفاق عليها من ناحية تأثيرها ، وفي هذا السياق يحاول المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية منذ عام 1996 في محاولة لدراسة ظروف واوضاع التحول الديمقراطية في الاراضي الفلسطينية في ظل السلطة الفلسسطينية حيث وصف هذا المقياس ومعدلاته منذ انطلاقه بمستويات متغيرة تبعاً للظروف السياسية التي رافقت مؤشراته ، فمثلا حصلت مؤشر الديمقراطية خلال العامين الماضيين “2004-2005” على علامة 509 درجات من أصل 1000 درجة ممكنة، وهو أعلى بـ 430 درجة عن الفترة السابقة، وأشار الدكتور خليل الشقاقي مدير المركز الذي أشرف على التقرير الى ان هذه العلاقة تعكس الصعوبات الجمة التي تعيق عملية التحول الديمقراطي في هذا البلد. واضاف: “صحيح أن هذه العلامة تشكل تحسنا في الأوضاع الفلسطينية مقارنة بالفترة السابقة (430 درجة)، إلا أن هذا التقدم يعد بطيئا للغاية مقارنة بالتوقعات العالية التي صاحبت انتخاب الرئيس محمود عباس. كما أن علامة المقياس الراهنة لا تزال بعيدة عن العلامة التي حصلنا عليها في الفترة الأولى لقيام النظام السياسي الفلسطيني الراهن، أي فترة 1996، 1997، والتي كانت قد بلغت آنذاك 563 درجة.

ولغاية عام 2014 وفي ظل غياب حياة ديمقراطية في ظل السلطة الفلسطينية لعدة اسباب اهمها داخلية تتمثل في الاقتتال الداخلي الذي عمق ازمة الديمقراطية في فلسطيني نجد انفسنا امام حالة غياب للتحول اليدمقراطي ، التحول الديمقراطي الذي كنا نحاول البحث عنه في ظروف معقدة خاصة للفلسطينين الذين يستصعبون ايجاده بسبب الاحتلال ، وفي ظل هذا الغياب نجد ان الممويل الاجنبي لم يتوقف للفلسطينين سواءا في غزة او الضفة الغربية الامر الذي ادى الى ازدهار الاقتصاد الفلسطيني بشكل ملحوظ في الاونة الاخيرة على حساب الحياة الديمقراطية .
في ظل حالة الانقسام السياسي الفلسطيني الذي انعكس اصلاُ بسبب الدعم الاجنبي لطرفي النزاع السياسي بين فتح وحماس في الضفة الغربية وقطاع غزة الامر الذي ولد اقتصاديتين نوعا ما مستقلتين في جوانب عديدة الاولى تحصد ما تمكنت من تمويل بالاطارف الداعمة لها من اوروبية وامريكية وعربية والاخرى ايضا بالاضافة الى الدعم الايراني والقطري المنقطع النظير لاقتصادية غزة الغير رسمي في معظمه الامر الذي عزز انقسام الاقتصاد الفلسطيني في جانبي الوطن.

لا يمكن خلق اقتصاد فلسطيني يعزز التواجد الفلسطيني لقضيته في ظل ارتباطه بأجندات الممولين وفي ظل انقسامه بانقسام المجتمع الفلسطيني ، وفي هذا السياق يرى المؤلف لاري دايموند في كتابته حول لماذا لا يوجد ديمقراطية عربية ؟ الى ان الخلل في الديمقراطيات العربية يعود الى هيكلية النظم الاقتصادية وليس في مستوى التنمية الاقتصادية فالدول الريعي ويشير هنا الى الدول البترولية والتي تعتمد في معظم اقتصادها القومي على البترول وفي الحالة الفلسطينية التمويل الاجنبي هي المعيق لايجاد التحول الديمقراطي باعتباره هو الذي يشكل البنية الهيكلية للاقتصاد الفلسطيني ، كما يؤدي هذا الشكل من الانظمة الى التوجه باهتمام الى قطاعات الامن والسلطة المركزية التي تثور على الفور في مواجهة أي مجاولة للتعبير عن الرأي او المشاركة في دارة شؤون البلاد باسلوب قمعي ، كما تؤدي هذه الانظمة الى تراجع في عمل مؤسسات المجتمع المدني وتضخم في الجهاز الإداري والتنفيذي للدولة ، وحالة من التراخي لدى المواطنين عبر انتشار الحياة الاستهلاكية وبيئة زبائنية تعتمد الخدمات المقدمة دون الالتفاات الى أي شي آخر .

هنا مسألة مهمة يجب الاشارة لها حول تمويل الادارة الانتخابية التي تنظم الديمقراطية الاجرائية في فلسطين والتي تسمى هنا لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية ، فإن تمويل لجنة الانتخابات المركزية منذ عام 2002 هو تمويل اجنبي وجز صغير من موازنة السلطة الفلسطينية عبر وزارة المالية حيث وصل التمويل من الدول المانحة للجنة منذ تاسيسها الى حوالي 25 مليون دولار و250 الف دولار من موازنة السلطة كمصاريف تاسيسية ، وهذه اشارة اخرى الى أن التمويل الاجنبي له أثر كبير في الديمقراطية الفلسطينية ، وبدونه لا يمكن حتى تنظيم انتخابات في أي مجلس محلي على الاقل دون تمويل اجنبي ، وبالرغم من أن البعض يرى أن هذه التمويل من شانه تعزيز الاستقلالية وحياديتها ، الا اننا نرى هنا ان هذا العامل من شأنه ان يكون تدخلا خارجيا في عمل لجنة الانتخابات باعتبار ان المصدر الذي يضمن الاستقلالية المفروض ان يكون مصدرا وطينا مستقلاً لا يعتمد الى أي اجندة خارجية حتى لو بنويا حسنة معلنة .
تجد الكثير من المبررات من قبل راسمي السياسة الاقتصادية الفلسطينية المعتمدة على التمويل الاجنبي وللوهلة الاولى ترى وكانهم يعيشون في ظل نظام عادي مستقر يتمتع باستقلالية لاقتصادهم ، هذ المشهد تكاد تراه في كل المؤسسات الفلسطينية في مشهد يعد انسلاخاً عن الواقع المتحكم به من قبل الاحتلال وفق اتفاقياته من جانب ومن جانب اخر واقع اقتصادي متحكم به من قبل المانحين عبر قنوات ضخهم للتمويل .

ورغم هذه النظرة التشاؤومية في هذه الحالة الا ان هناك متسعا للفرص الشخصية على هوامش الاقتصاد الفلسطيني التي تحفز النجاح والنمو والتي تشكل عنصرا جاذباً ، ويرى رجا الخالدي ، وصبحي سمّور في قرائتهم ” برنامج إقامة الدولة الفلسطينية وإعادة تكوين الحركة الوطنية الفلسطينية: النيوليبرالية بصفتها تحرراً ” أن رؤية مخططي سياسات السلطة الوطنية الفلسطينية وداعميهم المؤثرين هي أكثر إشكالية من المنظور التنموي، إذ إنهم يعتبرون أن هذا البرنامج هو أفضل خيار اقتصادي – ليس لمستقبل ما بعد التحرير فحسب، بل للحاضر أيضاً، أي تحت الاحتلال ومن دون سيادة وطنية ، وما يثير الدهشة هو السهولة التي قبل بها هذا الشعب الذي يكافح في سبيل استقلاله وهويته منذ أجيال، فكرةَ أن هذا البرنامج هو أفضل خيار اقتصادي ، والمحيّر أيضاً، قياساً لعراقة مشاركة الفلسطينيين في النقاش السياسي التعددي والنابض بالحياة، هو حماسة السلطة الوطنية الفلسطينية للسياسة النيوليبرالية، وتصويرها على أن لا بديل منها وأن صدقيتها لا نقاش فيها، عدا اعتراضاتٍ لمحللين معدودين، وأحياناً، لمنظمة غير حكومية دولية، أو لهيئات تابعة للأمم المتحدة .

ويجب الاشارة هنا الى أن المساعدات الدولية وكما اسلفنا جاءات في اولوياتها برؤية منها ان تمويلها سوف يكون فيه تعزيز للاستقرار بالمنطقة والذي جاء في غالبه يضفي عليه الصبغة العامة في غلبة مصلحة دولة الاحتلال عبر المشاريع الممولة تدعي انها لمصلحة الشعب الفلسطيني ممثلا بسلطتها وفي هذا السياق نذكر ملاحظتين الاولى ان التمويل الاجنبي جاء في معظمه لتمويل أطر لا تخدم التنمية وفي معظمها اغاثية ومساعدات فنية حيث وصلت في الفترة الواقعة بين عام 1994 لغاية عام 2001 الى 24% من اجمالي المساعدات والى جانب اخر فان دولة الاحتلال لم تدخر جهدا الى ضرب أي محاولة للاستفادة من هذا التمويل سشكل تعزيز لصمود الفلسطينين عبر العراقيل التي كانت تضعها .

وبالعودة الى الاتفاقيات السياسة التي عقدت مع الفلسطينين وانشأت السلطة الفلسطينية ، والتي في الاصل ان تعمل لخلق كيان فلسطيني مستقل وتحرير الاقتصاد الفلسطيني من التبعية ، الامر الذي نرى عكسه في الاتفاقيات السياسية من اوسلو وما تبعه من اتفاقية اخر خاصة اتفاقية باريس والتي عكست عدة قضايا مهمة سوف نشير اليها هنا لارتباطها بقضية هذه الورقة البحثية وتتخلص في خلوها من تحديد اطر اقتصادية واضحة مثل اتفاقيات المعابر السيئة السمعة وانما جاءت تشريع الممارسات لاحتلالية السابقة للاتفاقيات التي من شانها ان تزيد التبعية الاقتصادية ، غياب سياسة مالية مستقلة وعملة وطنية كذلك هذا الترتيب جعل ويجعل من إمكانية القطع مع العلاقات الكولونيالية السائدة منذ بداية الإحتلال، والتي هي شرط وأساس أي توجه استقلالي، غير قابل للتحقق ، القوة العسكرية الاحتلالية الاقوى من الطرف الفلسطيني كانت في كل مرة يجري الخلاف بها يؤدي الى التفسير لصالح الاحتلال ويزيد من تبعية الفلسطينين اقتصادياً.

الفصل الثالث :
نحو اقتصاد وطني ديمقراطي واستنتاجات

في هذا الفصل سوف تشير الورقة البحثية الى مسألة الحل ، الحل للأشكالية التي يقدمه الكاتب من خلال اقتصاد وطني مستقل في المبحث الأول يراعي خصوصية الفلسطينين القابعين تحت الاحتلال ، وفي مبحث ثاني أهم التوصيت التي يمكن طرحها بعد ما التقديمات السابقة ، على النحو الآتي :
المبحث الاول : نحو اقتصاد وطني ديمقراطي.
البمحث الثاني : استنتاجات .

المبحث الاول : نحو اقتصاد وطني ديمقراطي.

في البداية يجب ان نشير الى محدد رئيسي لقضية هذه الورقة البحثية حين الحديث عن الاقتصاد الفلسطيني ، هي أنه لا امكانية لايجاد اقتصاد للسلطة الفلسطينية مبني على اسس مستقلة توفر للفلسطينين اقتصادا يتفق مع مبادئ الديمقراطية وثقافتها بوجود إحتلال متربع على جسد هذا الاقتصاد ، الا وفق اشتراطات معينة من اهمها زوال الاحتلال وتبعيته من خلال الاتفاقيات السياسية التي تكرسه بالاصل ، حتى بوجود ما يسمى بالسعي لتشكيل دولة فلسطين فهي لا معنا لها ولا تختلف كليا عن محددتها وحدودها في ظل الاحتلال الامر بالذات يتعلق بالتبعية للاحتلال وفي هذه الورقة التبيعة للتمويل الاجنبي الذي اصبح همه خدمة الاحتلال .

كما ان التمويل الاجنبي هو من اهم اسس بناء المجتمعات التي تاتي لدعمها في مرحلة التحرر والاستقلال من تبعيات الاستعمار والاحتلال ، من اجل تنمية هذه الشعوب ومساعدتها في اعادة اعمارها بعد زوال الاحتلال ، ولكنه في الحالة الفلسطينية ياتي ضمن المخطط الاستعماري المنشأ لها من خلال الاتفاقيات السياسية التبعية التي كرست الاحتلال ، وبشكل عام الاصل ان ياتي التمويل الاجنبي ضمن التعاون الدولي لتقديم الدعم للشعوب المنكوبة ولكن في الحالة الفلسطينية جاء بنوايا واشكال معاكسة للاصل .

في الحديث عن الاقتصاد الفلسطيني وعلاقته بالتحول الديمقراطي في ظل السلطة الفلسطينية يجب الاشارة الى ان لديمقراطية ناجحة يجب توافر اقتصاد حر مبني على سوق حر ومستقل تتوافر به اركان العدالة والحق وغيرها من المواصفات التي لا يمكن توافرها ي الاقتصاد الفلسطيني بسبب الاحتلال بالاساس وبسبب تورط الاجندات التمويليه ولكن سنحاول هنا اختصار ما توافر من توصيات تخدم اغراض هذا البحث يمكن ذكرها على الاتي .

• على السلطة الفلسطينية اعادة النظر في سياسة الاستفادة من التمويل الاجنبي بشكل فاعل ومخطط له من اجل اهداف حتى لو بعيدة المدى لدعم الاقتصاد الفلسطيني واخراجه من حالة التبعية التمويلية للخارج والتبعية لدولة الاحتلال في الداخل .
• حين الحديث عن المساعدات فاننا نقصد بها التمويل الاجنبي الرسمي والذي يأتي عبر القنوات الرسمية في السلطة الفلسطينية والتمويل الغير رسمي الذي يصل الى المؤسسات الحزبية والاهلية دون ان تعلن مصادر وقنوات هذه التمويل وخلق حالة فلسطينية عامة متفقة على الاستفادة من كافة اشكال التمويل لغرض خدمة القضية الفلسطينية .
• إعطاء السياسة الاقتصادية الفلسطينية أهمية قصوى الى المناحي الانتاجية منها اولوية في القطاعات الانتاجية المولدة للدخل من زراعة وصناعة وتكنلوجيا للمعلومات عبر قرار وطني ضمن استراتيجي وطنية لخلق الاقتصاد الوطني المستقل .
• فرض الاشتراطات على تلقي التمويل لقطاعات ثانوية وتحويلها الى القطاعات الانتاجية الى حين بناء هذه القطاعات الانتاجية ، وجلب التمويل بناءا على الاولويات الفلسطينية وليس اولويات التمويل ومانحيه .
• إيجاد قنوات رسمية محدد للدعم والتمويل الاجنبي خاصة الرسمية منها لخلق رقابة واضحة وشفافية لضمان عدم الفساد والاخلال بالخطط الاستراتيجية .
• يجب على صانعي السياسة الاقتصادية ان يكونوا مدركين لعدد من العوامل المهمة والاشتراطات التي يجب ان يؤخذوها بالحسبان منها الاخد بمعالجة التشوهات التي وجدت في جسم الاقتصاد الفلسطيني من قبل.
• وفي هذا السياق يشير خليل نخلة في كتابه “فلسطين وطن للبيع” الى عدة سياسات وتدخلات تنموية تحررية يجب على الفلسطينين اتباعها وهي : تمكين الافراد والمجتمع الفلسطيني من الموار النوعية اللازمة والوعي بشرعيتها وتحسين احوالهم المعيشية نوعيا بشكل مستدام ، حماية الحقوق الاساسية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتاريخية وتوفير العناصر اللازمة لحمايتها من شروط وخبرات وعلى راسها الحق في تقرير المصير وحقهم في منتج وطني بعيدا عن الاستغلال والتبعية ليصبح رصيدا لهم ولاجيالهم القادمة ، وحول المساعدات الدولية يجب ان يجري فرز المساعدات الدولية وتحليلها لمعرفة الضار بالقضية الفلسطينية وما يشكله خطرا على تكبيل الفلسطينين باتجاه قضيتهم والمكاشفة للمساعدات التي تشكل دعما واعادة صياغة للاحتلال.

البمحث الثاني : إستنتاجات .

في هذه القسم ستحاول الورقة البحثية اخراج افرازات ونتائج وصلت اليها من خلال قرائتها للتمويل الاجنبي في الاقتصاد الفلسطيني ، بناءا على ما سبق ذكره ، وبالرغم ان لا يوجد رابط مباشر بين التمويل الاجنبي وبين ما تدهور الحالة الديمقراطية في ظل السلطة الفلسطينية ، اذ ان مجمع تحليل المعلومات السابقة والقراءة المستفيضة لها ، اكد ودون شك ، ان التمويل الاجنبي للسلطة الفلسطينية وارتباطه باجندت سياسية مختلفة من ضمنها اجندة خاصة لصالح الاحتلال ، جاء دون ادنى الطموحات التي سعى اليها الفلسطينين ودون ان تكون متناغمة حتى مع الاهاف المعلنة عن هذا التمويل.

إن محاولات الإصلاح المالي للسلطة الوطنية الفلسطينية تواجه حتماً، في ظل أوضاع الاحتلال، عقبات بالغة الصعوبة، فهي مثقلة بعجز الميزانية الكبير والمزمن،(36) والذي لا يعني ارتهاناً مطرداً للمساعدة الخارجية فحسب، بل موارد أقل لنفقات التنمية أيضاً (كالنفقات الاستثمارية في البنية التحتية العامة) ، ومن شأن التزام السلطة الوطنية الفلسطينية العلني ببذل قصارى جهدها لخفض الارتهان بالمساعدة الخارجية أن يفاقم الحالة الاقتصادية الهشة، نظراً إلى معدلات التضخم العالية، المستوردة في الغالب، وإلى معدل البطالة الذي تخطى نسبة 20%، وإلى كون ثلث السكان يعيش تحت خط الفقر، وإلى واقع أن هناك أسرة واحدة من مجموع خمس أسر تعتمد مباشرة، أو غير مباشرة، على الوظيفة العامة التي تؤمنها السلطة.

كما ان ظهور اقتصاد ريعي لدى الفلسطينين في ظل السلطة الفلسطينية يدعو الى اثارات التساؤول والبحث خاصة انها حددت بعدة محددات اهمها ان هذه السلطة نشات وفق اتفاقيات سياسية لا يختلف اثنين على انها جاءات مجحفة ومرحلية ولم تكتمل في مراحلها ولم تنتج وفق مشاركة سياسية من كافة اطياف الشعب الفلسطيني ، وان التهافت على دعمها في ظل الاحتلال دون تقيد هذا الاحتلال بل بالعكس تمويل مالي في كل اوجهه جاء لصالح الاحتلال ودون ان يرد في تاريخ القضية الفلسطينية أي موقف لدولة او جهة مانحة قطعت او حددت التمويل بناءا على احتجاج ضد الاحتلال او موقف ضده الا ما ندر من تصريحات توصف بالرومنسية ضده ، الامر الذي يدعو الى الشك في نويا المانحين في زيادة او اعادة صيغة الاحتلال بشكل اخر في ظل هذه السلطة .

لم يستطع الفلسطينيون منذ تاسيس السلطة الفلسطينية لغاية اليوم وعلى مدار اكثر من عشرين عاما ، ان يجدو ملاذا لاقتصادهم وتنميته بشكل يخدم قضيتهم العادلة ، بل بالعكس وكما تشير لها هذه الدراسة انه حول الاقتصاد الفلسطيني من اقتصاد مستقر وصل الى مرحلة السلطة الفلسطينية الى اقتصاد هش يعتمد اعتمادا كليا على ردات فعل ومزاجات الممولين السياسية وحول الى اقتصاد ريعي يعتمد اعتمادا كليا على مصدر التمويل الاجنبي دون ان يؤسس الى اقتصاد فلسطيني مستقر مبين على السوق الحر ومقواما في ظل الاحتلال الاسرئيلي .

الخلل كان واضحا في ظل السلطة الفلسطيني فيما يتعلق بالحياة الديمقراطية منذ بداية نشاتها فالسلطة اختارت من البداية ان يكون مصدر دخل اقتصادها المساعدات الدولية وفق الالتزامات التي اعلنتها الدول المانحة الراعية لعملية السلام ، بل عززتها بعد اتفاقية اوسلو بتفاقيات اخرى عززت تبيعة اقتصادها للاحتلال وبرعاية المانحين في كل المراحل .

من المؤشرات المهمة التي تشير لها هذه الورقة على غياب الحياة الديمقراطية وعرقلة واضحة للعملية الديمقراطية ما اسفرت عنه مؤشرات الانتخابات الفلسطينية الممولة اصلا بتمويل اجنبي كما اوضحته هذه الورقة ، ويتضح اكثر في ردود فعل المانحين على نتائج الانتخابات التشريعية الثانية والتي قيدت ومنعت في بعض الحالات تمويل السلطة بسبب فوز حركة حماس في هذه الانتخابات .

كما يتضح ان المساعدات الدولية في مجملها جاءات لاعتبارات سياسية خاصة ان الدول المانحة والراعية لعميلة السلام والتي هدفت من خلال تمويلها الى استقرار للوضع الامني بالمحصلة مرورا ما تبرره من دعم ومساعدات اقتصادية وتنموية .

ويري الكاتب عماد لبد في مقالته “تجربة السلطة الفلسطينية في استغلال المساعدات الدولية (1994 -2003 ) ان المساعدات الدولية لم تحقق الهدف المرجو منها لسببين :
اولهما خارجي يمثل الدول المانحة والوسيطة مع دولة الاحتلال والتي غلب على عملها الاعتبارات السياسية لصالح دولة الاحتلال والتي ركزت في تمويلها على القطاعات الثانوية التي ليست من الاولويات للفلسطينين اضافة الى اليات صرف المساعدات وتركيزها على الفنية منها والتي بلغت حوالي 24% من اجمالي المساعدات من الفترة بين تايرخ 1994 لغاية 2001 والتي تعبر عن هدر لهذه الاموال بشكل عام ، وثانيها العامل الذاتي والتي يراد به هو الاداء التي قامت به السلطة في العمل على الاستفادة من هذه المساعدات والذي امتاز بالعفوية وردات الفعل والعشوائية في اغلب الاحيان في ظل غياب تخطيط واضح لدفع الاقتصاد الفلسطيني للتقدم والنمو .

المراجع

فيضان التمويل..سدود التنسيق..وفرص الغرق في دوامة الفساد ، الحالة الفلسطينية نموذجا ، هديل رزق- القزاز ، ورقة مقدمة لورشة عمل الفساد في مرحلة إعادة الاعمار ، عمان 5-6 مارس 2006
الشمري، مايح. تشخيص المرض الهولندي ومقومات اصلاح الاقتصاد الريعي في العراق . مجلة الغري للعلوم الاقتصادية والادارية . Vol 5, No 15 (2010). http://www.uokufa.edu.iq/journals/index.php/ghjec/issue/view/136 ، تاريخ الدخول 18/5/2014 .
الرميحي، محمد . الاقتصاد في ظل التحول إلى الديمقراطية . الوسط ، العدد 42، 18 أكتوبر 2002م . الرابط اللكتروني http://www.alwasatnews.com/42/news/read/119729/1.html ، تاريخ الدخول 15/5/2014.
علوي ، أحمد . الاقتصاد الريعي .2011. الحوار المتمدن . http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=282748. تاريخ الدخول 16/5/2014.
Diamond ،Larry .why are there no arab democracies ? .2010. http://www.journalofdemocracy.org/articles/gratis/Diamond-21-1.pdf
عبد الكريم ، نصر.ورقة عمل مقدمة في اللقاء التشاوري الفلسطيني حول “الوضع الاقتصادي الفلسطيني الراهن وفرص التنمية” ، والمنعقد في رام الله يومي 14-15/4/2004، http://www.nbprs.ps/page.php?do=show&action=iqtsad17، تاريخ الدخول 15/5/2014.
المعز ، الطاهر .2013. الحوار المتمدن ، نشرة اقتصادية عدد 195 .
الاقتصاد الفلسطيني بعد 20 عاما من اتفاقية اوسلو ، معهد ابحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) .2013.
ديوان الموظفين العام في السطة الفلسطينية ، الخطة الاستراتيجية لعامين 2013 و2014 . 2014.
رجا الخالدي ، صبحي سمّور . برنامج إقامة الدولة الفلسطينية وإعادة تكوين الحركة الوطنية الفلسطينية: النيوليبرالية بصفتها تحرراً . مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 22، عدد 88، صفحة 74، خريف 2011
لبد ، عماد . تجربة السلطة الفلسطينية في إستغلال المساعدات الدولية . مجلة الجامعة الاسلامية ، المجلد الثاني عشر-العدد الثاني ، صفحة 467-501 . 2004.
عليان،تحسين . مرصد السياسات الاجتماعية والقتصادية ، المياه في الاراضي الفلسطينية المحتلة شركات اسرئيلية تنهب وممول اجنبي يساند ، 2013.
ملحس ، غانية . الاستثمار الفلسطيني في الاقتصاد الاسرائيلي – اسرائيل والمستوطنات،2012 . http://www.alquds.edu/ar/ ، تاريخ الدخول 22/5/2014 .
جابر ، ابراهيم . التمويل الاجنبي واقع وتحديات ، مؤتمر الاستثمار والتمويل في فلسطين بين آفـاق التنميـة والتحديـات المعـاصـرة ، غزة ،2005.
نخلة ، خليل . ترجمة عباب مراد . فلسطين :وطن للبيع .مؤسسة روزا لوكسمبورغ .ص 43 .2011.
لدادوة ، حسن ، محمد جبيريل ، جابر عزام .علاقات المنظمات غير الحكومية الفلسطينية فيما بينها ومع السلطة الوطنية الفلسطينية والممولين.معهد أبحاث السياسات الإقتصادية الفلسطيني (ماس)،2001
صبيح ، صبيح .”المنظمات غير الحكومية الفلسطينية: تهجين المشروع الوطني مقابل التمويل الدولي “. مجلة العودة العدد 51 السنة العاشرة ، كانون اول 2012.
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ، الانتخابات الفلسطينية . تقرير تقييمي لمرحلة ما قبل الانتخابات يتضمن نتائج الرقابة التي نفذها على عمليات إعداد سجل الناخبين خلال الربع الأخير من العام 2004 .2004.
ابراش، ابراهيم.إشكالية المسألة الانتخابية في مناطق السلطة الفلسطينية في ظل الانقسام . المركز الفلسطيبني لابحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية مسارات.2013.
قراءة في مؤشر الديمقراطية ، مركز البحوث السياسية والمسحية: 430 درجة إضافية للديمقراطية في فلسطين .13/3/2006. http://www.miftah.org/Arabic/PrinterF.cfm?DocId=4768 .تاريخ الاطلاع 26/5/2014.
الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة – أمان . لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية .2013 . http://www.aman-palestine.org/ar/reports-and-studies/821.html
دعنا ،سيف . العلاقات الكولونيالية و”تأهيل” النخبة الاقتصادية الفلسطينية . جريدة العودة العدد 53 ، 15 ايار 2013.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s